فصل: مُرَادُ الْفَنَاءِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ***


فَصْلٌ‏:‏ الْفِكْرَةُ

فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ يَقَظَتُهُ أَوْجَبَتْ لَهُ الْفِكْرَةَ، وَهِيَ- كَمَا تَقَدَّمَ- تَحْدِيقُ الْقَلْبِ إِلَى جِهَةِ الْمَطْلُوبِ الْتِمَاسًا لَهُ‏.‏

وَصَاحِبُ الْمَنَازِلِ جَعَلَهَا بَعْدَ الْبَصِيرَةِ وَقَالَ فِي حَدِّهَا‏:‏ هِيَ تَلَمُّسُ الْبَصِيرَةِ لِاسْتِدْرَاكِ الْبُغْيَةِ، أَيِ الْتِمَاسُ الْعَقْلِ الْمَطْلُوبِ بِالتَّفْتِيشِ عَلَيْهِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ‏:‏ فِكْرَةٌ فِي عَيْنِ التَّوْحِيدِ، وَفِكْرَةٌ فِي لَطَائِفِ الصَّنْعَةِ، وَفِكْرَةٌ فِي مَعَانِي الْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ الْفِكْرَةُ فِكْرَتَانِ‏:‏ فِكْرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَفِكْرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ‏.‏

فَالَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِكْرَةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالثَّابِتِ وَالْمَنْفِيِّ، وَالَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ هِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّارِّ‏.‏

ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِكْرَةٌ أُخْرَى فِي الطَّرِيقِ إِلَى حُصُولِ مَا يَنْفَعُ، فَيَسْلُكُهَا، وَالطَّرِيقِ إِلَى مَا يَضُرُّ فَيَتْرُكُهَا‏.‏

فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ لَا سَابِعَ لَهَا، هِيَ مَجَالُ أَفْكَارِ الْعُقَلَاءِ‏.‏

فَالْفِكْرَةُ فِي التَّوْحِيدِ اسْتِحْضَارُ أَدِلَّتِهِ، وَشَوَاهِدِ الدِّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ وَاسْتِحَالَتِهِ، وَأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهَا لِاثْنَيْنِ، كَمَا يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ الرُّبُوبِيَّةِ لِاثْنَيْنِ فَكَذَلِكَ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ عِبَادَةُ اثْنَيْنِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اثْنَيْنِ، بَلْ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلْإِلَهِ الْحَقِّ، وَالرَّبِّ الْحَقِّ، وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ‏.‏

وَقَدْ خَبَطَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَجَاءَ بِمَا يَرْغَبُ عَنْهُ الْكُمَّلُ مِنْ سَادَاتِ السَّالِكِينَ وَالْوَاصِلِينَ إِلَى اللَّهِ‏.‏

فَقَالَ‏:‏ الْفِكْرَةُ فِي عَيْنِ التَّوْحِيدِ اقْتِحَامُ بَحْرِ الْجُحُودِ‏.‏

وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي أَصَّلَهُ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ كِتَابُهُ فِي أَمْرِ الْفَنَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْفِكْرَةَ فِي عَيْنِ التَّوْحِيدِ تُبْعِدُ الْعَبْدَ مِنَ التَّوْحِيدِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ فَنَاءِ الْفِكْرَةِ وَالتَّفَكُّرِ، وَالْفِكْرَةُ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ رَسْمٍ لِاسْتِلْزَامِهَا مُفَكِّرًا، وَفِعْلًا قَائِمًا بِهِ، وَالتَّوْحِيدُ التَّامُّ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ رَسْمٍ أَصْلًا، كَانَتِ الْفِكْرَةُ عِنْدَهُ عَلَامَةَ الْجُحُودِ، وَاقْتِحَامًا لِبَحْرِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي أَبْيَاتِهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ‏:‏

مَا وَحَّـدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِـدٍ *** إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّـدَهُ جَاحِـدُ

تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِــهِ *** عَارِيَّةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحـِــدُ

تَوْحِيـدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيـدُهُ *** وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِـــدُ

وَمَعْنَى أَبْيَاتِهِ‏:‏ مَا وَحَدَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدٌ حَقَّ تَوْحِيدِهِ الْخَاصِّ، الَّذِي تُنْفَى فِيهِ الرُّسُومُ، وَيَضْمَحِلُّ فِيهِ كُلُّ حَادِثٍ، وَيَتَلَاشَى فِيهِ كُلُّ مُكَوَّنٍ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِبَقَاءِ الرَّسْمِ، وَهُوَ الْمُوَحِّدُ، وَتَوْحِيدُهُ الْقَائِمُ بِهِ، فَإِذَا وَحَّدَهُ شَهِدَ فِعْلَهُ الْحَادِثَ وَرَسْمَهُ الْحَادِثَ، وَذَلِكَ جُحُودٌ لِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي تُنْفَى فِيهِ الرُّسُومُ، وَتَتَلَاشَى فِيهِ الْأَكْوَانُ، فَلِذَلِكَ قَالَ‏:‏ إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدٌ، هَذَا أَحْسُنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَقَدْ فَسَّرَهُ أَهْلُ الْوَحْدَةِ بِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ فِي مَذْهَبِهِمْ‏.‏

قَالُوا‏:‏ مَعْنَى ‏"‏ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدٌ ‏"‏ أَيْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ فَقَدْ وَصَفَ الْمُوَحَّدَ بِصِفَةٍ تَتَضَمَّنُ جَحْدَ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ انْحِصَارِهِ تَحْتَ الْأَوْصَافِ، فَمَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ جَحَدَ إِطْلَاقَهُ عَنْ قُيُودِ الصِّفَاتِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏"‏ تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ ‏"‏ أَيْ تَوْحِيدُ الْمُحْدِثِ لَهُ النَّاطِقِ عَنْ نَعْتِهِ، عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، فَإِنَّهُ الْمُوَحَّدُ قَبْلَ تَوْحِيدِ هَذَا النَّاطِقِ، وَبَعْدَ فَنَائِهِ، فَتَوْحِيدُهُ لَهُ عَارِيَّةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ الْحَقُّ بِإِفْنَائِهِ كُلَّ مَا سِوَاهُ‏.‏

وَالِاتِّحَادِيُّ يَقُولُ‏:‏ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُوَحَّدَ وَاحِدٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَأَبْطَلَ بِبَسَاطَةِ ذَاتِهِ تَرْكِيبَ نُطْقِ وَاصِفِهِ، وَأَبْطَلَ بِإِطْلَاقِهِ تَقْيِيدَ نَعْتِ مُوَحِّدِهِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏"‏ تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ ‏"‏ يَعْنِي أَنَّ تَوْحِيدَهُ الْحَقِيقِيَّ هُوَ تَوْحِيدُهُ لِنَفْسِهِ، حَيْثُ لَا هُنَاكَ رَسْمٌ وَلَا مُكَوَّنٌ، فَمَا وَحَدَّ اللَّهَ حَقِيقَةً إِلَّا اللَّهُ‏.‏

وَالِاتِّحَادِيُّ يَقُولُ‏:‏ مَا ثَمَّ غَيْرٌ يُوَحِّدُهُ، بَلْ هُوَ الْمُوَحِّدُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، إِذْ لَيْسَ ثَمَّ سِوًى فِي الْحَقِيقَةِ‏.‏

قَوْلُهُ ‏"‏ وَنَعَتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدٌ ‏"‏ أَيْ نَعْتُ النَّاعِتِ لَهُ مَيْلٌ وَخُرُوجٌ عَنِ التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْإِلْحَادُ أَصْلُهُ الْمَيْلُ، لِأَنَّهُ بِنَعْتِهِ لَهُ قَائِمٌ بِالرُّسُومِ، وَبَقَاءُ الرُّسُومِ يُنَافِي تَوْحِيدَهُ الْحَقِيقِيَّ‏.‏

وَالِاتِّحَادِيُّ يَقُولُ‏:‏ نَعْتُ النَّاعِتِ لَهُ شِرْكٌ، لِأَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَى الْمُطْلَقِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ إِسْنَادُهُ مِنَ التَّقْيِيدِ، وَذَلِكَ شِرْكٌ وَإِلْحَادٌ‏.‏

فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي إِسْمَاعِيلَ، فَتَحَ لِلزَّنَادِقَةِ بَابَ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، فَدَخَلُوا مِنْهُ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ‏:‏ إِنَّهُ لَمِنْهُمْ، وَمَا هُوَ مِنْهُمْ، وَغَرَّهُ سَرَابُ الْفَنَاءِ، فَظَنَّ أَنَّهُ لُجَّةُ بَحْرِ الْمَعْرِفَةِ، وَغَايَةُ الْعَارِفِينَ، وَبَالَغَ فِي تَحْقِيقِهِ وَإِثْبَاتِهِ، فَقَادَهُ قَسْرًا إِلَى مَا تَرَى‏.‏

الْفَنَاءُ

مُرَادُ الْفَنَاءِ

‏"‏ وَالْفَنَاءُ ‏"‏ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ، وَيَعْمَلُونَ عَلَيْهِ‏:‏ أَنْ تَذْهَبَ الْمُحْدَثَاتُ فِي شُهُودِ الْعَبْدِ، وَتَغِيبَ فِي أُفُقِ الْعَدَمِ، كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ، وَيَبْقَى الْحَقُّ تَعَالَى كَمَا لَمْ يَزَلْ، ثُمَّ تَغِيبُ صُورَةُ الْمُشَاهَدِ وَرَسْمُهُ أيْضًا، فَلَا يَبْقَى لَهُ صُورَةٌ وَلَا رَسْمٌ، ثُمَّ يَغِيبُ شُهُودُهُ أيْضًا، فَلَا يَبْقَى لَهُ شُهُودٌ، وَيَصِيرُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يُشَاهِدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ قَبْلَ إِيجَادِ الْمُكَوَّنَاتِ، وَحَقِيقَتُهُ‏:‏ أَنْ يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ‏.‏

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ‏:‏ هُوَ اضْمِحْلَالُ مَا دُونَ الْحَقِّ عِلْمًا، ثُمَّ جَحْدًا، ثُمَّ حَقًّا، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ‏:‏

الدَّرَجَةُ الْأُولَى‏:‏ فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ عِلْمًا، وَفَنَاءُ الْعِيَانِ فِي الْمُعَايِنِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ جَحْدًا، وَفَنَاءُ الطَّلَبِ فِي الْوُجُودِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ حَقًّا‏.‏

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ فَنَاءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإِسْقَاطِهِ، وَفَنَاءُ شُهُودِ الْمَعْرِفَةِ لِإِسْقَاطِهَا، وَفَنَاءُ شُهُودِ الْعِيَانِ لِإِسْقَاطِهِ‏.‏

الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ‏:‏ الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ الْفَنَاءِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ حَقًّا، شَائِمًا بَرْقَ الْعَيْنِ، رَاكِبًا بَحْرَ الْجَمْعِ، سَالِكًا سَبِيلَ الْبَقَاءِ‏.‏

فَنَذْكُرُ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، ثُمَّ نُتْبِعُهُ ذِكْرَ أَقْسَامِ الْفَنَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَنَاءِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي هُوَ فَنَاءُ خَاصَّةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالْفِنَاءِ الْمَذْمُومِ الَّذِي هُوَ فَنَاءُ أَهْلِ الْإِلْحَادِ، الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَفَنَاءِ الْمُتَوَسِّطِينَ الْنَاقِصِينَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ، بِعَوْنِ اللَّهِ وَحَوْلِهِ وَتَأْيِيدِهِ‏.‏

فَقَوْلُهُ‏:‏ الْفَنَاءُ اضْمِحْلَالُ مَا دُونُ الْحَقِّ جَحْدًا، لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ يُعْدَمُ مِنَ الْوُجُودِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ اضْمِحْلَالَهُ فِي الْعِلْمِ، فَيَعْلَمَ أَنَّ مَا دُونَهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّ وُجُودَهُ بَيْنَ عَدَمَيْنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ إِلَّا الْعَدَمُ، فَعَدَمُهُ بِالذَّاتِ، وَوُجُودُهُ بِإِيجَادِ الْحَقِّ لَهُ، فَيَفْنَى فِي عِلْمِهِ، كَمَا كَانَ فَانِيًا فِي حَالِ عَدَمِهِ، فَإِذَا فَنِيَ فِي عِلْمِهِ ارْتَقَى إِلَى دَرَجَةٍ أُخْرَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَهِيَ جَحْدُ السِّوَى وَإِنْكَارُهُ، وَهَذِهِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُولَى، لِأَنَّهَا غَيَّبَتْهُ عَنِ السِّوَى، فَقَدْ يَغِيبُ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ جَاحِدٍ لَهُ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ جَحْدُهُ وَإِنْكَارُهُ‏.‏

وَمِنْ هَاهُنَا دَخَلَ الِاتِّحَادِيُّ، وَقَالَ‏:‏ الْمُرَادُ جَحْدُ السِّوَى بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ بِوَجْهٍ مَا‏.‏

وَحَاشَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ مِنْ إِلْحَادِ أَهْلِ الِاتِّحَادِ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ مُوهِمَةً، بَلْ مُفْهِمَةٌ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْجَحْدِ فِي الشُّهُودِ، لَا فِي الْوُجُودِ، أَيْ يَجْحَدُهُ أَنْ يَكُونَ مَشْهُودًا، فَيَجْحَدَ وُجُودَهُ الشُّهُودِيَّ الْعِلْمِيَّ، لَا وُجُودَهُ الْعَيْنِيَّ الْخَارِجِيَّ، فَهُوَ أوْلًا يَغِيبُ عَنْ وُجُودِهِ الشُّهُودِيِّ الْعِلْمِيِّ، ثُمَّ يُنْكِرُ ثَانِيًا وَجُودَهُ فِي عِلْمِهِ، وَهُوَ اضْمِحْلَالُهُ جَحْدًا، ثُمَّ يَرْتَقِي مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَى دَرَجَةٍ أُخْرَى أَبْلَغَ مِنْهَا، وَهِيَ اضْمِحْلَالُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا وُجُودُهُ قَائِمٌ بِوُجُودِ الْحَقِّ، فَلَوْلَا وُجُودُ الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَوْجُودًا، فَفِي الْحَقِيقَةِ‏:‏ الْمَوْجُودُ إِنَّمَا هُوَ الْحَقُّ وَحْدَهُ، وَالْكَائِنَاتُ مِنْ أَثَرِ وَجُودِهِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ ‏"‏ إِنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا وَلَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنَّهَا مَعْدُومَةٌ وَفَانِيَةٌ وَمُضْمَحِلَّةٌ ‏"‏‏.‏

وَالِاتِّحَادِيُّ يَقُولُ‏:‏ إِنَّ السَّالِكَ فِي أَوَّلِ سُلُوكِهِ يَرَى أَنَّهُ لَا فَاعِلَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ، فَهَذَا تَوْحِيدُ الْعِلْمِ، وَلَا يَقْدِرُ فِي طَوْرِهِ الْأَوَّلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْ هَذَا إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ شُهُودُ عَوْدِ الْأَفْعَالِ إِلَى الصِّفَاتِ، وَالصِّفَاتِ إِلَى الذَّاتِ، فَعَادَ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَى الذَّاتِ، فَيَجْحَدُ وُجُودَ السِّوَى بِالْكُلِّيَّةِ، فَهَذَا هُوَ الِاضْمِحْلَالُ جَحْدًا، ثُمَّ يَرْتَقِي عَنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ الَّذِي تَغْرَقُ فِيهِ الْأَفْعَالُ وَالْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا أَمْرٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَقَيَّدُ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ وَلَا صِفَةٍ، قَدِ اضْمَحَلَّ فِيهِ كُلُّ مَعْنًى وَقَيْدٍ وَصِفَـةٍ وَرَسْمٍ، وَهَذَا- عِنْدَهُمْ- غَايَةُ السَّفَرِ الْأَوَّلِ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ فِي السَّفَرِ الثَّانِي، وَهُوَ الْبَقَاءُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ الدَّرَجَةُ الْأُولَى‏:‏ فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ‏.‏

يُرِيدُ اضْمِحْلَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَلَاشِيهَا فِي مَعْرُوفِهِ، وَأَنْ يَغِيبَ بِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، كَمَا يَغِيبُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ حُبِّهِ، وَبِمُخَوِّفِهِ عَنْ خَوْفِهِ، وَهَذَا لَا رَيْبَ فِي إِمْكَانِهِ وَوُقُوعِهِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا امْتَلَأَ بِشَيْءٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهِ، وَأَنْتَ تَرَى الرَّجُلَ يُشَاهِدُ مَحْبُوبَهُ الَّذِي قَدِ اسْتَغْرَقَ فِي حُبِّهِ، بِحَيْثُ تَخَلَّلَ حُبُّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ، أَوْ يُشَاهِدُ الْمُخَوِّفَ الَّذِي امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِخَوْفِهِ، فَتَرَاهُ دَهِشًا عَنْ شُعُورِهِ بِحُبِّهِ أَوْ خَوْفِهِ، لِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْمَحْبُوبِ أَوِ الْمُخَوِّفِ عَلَى قَلْبِهِ، وَعَدَمِ اتِّسَاعِهِ لِشُهُودِ غَيْرِهِ الْبَتَّةَ، لَكِنَّ هَذَا لِنَقْصِهِ لَا لِكَمَالِهِ، وَالْكَمَالُ وَرَاءَ ذَلِكَ، فَلَا أَحَدَ أَعْظَمُ مَحَبَّةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْخَلِيلَيْنِ- عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَكَانَتْ حَالُهُمَا أَكْمَلَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، وَشُهُودُ الْعُبُودِيَّةِ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَأَبْلَغُ مِنَ الْغَيْبَةِ عَنْهَا بِشُهُودِ الْمَعْبُودِ، فَشُهُودُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمَعْبُودِ دَرَجَةُ الْكُمَّلِ، وَالْغَيْبَةُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِلنَّاقِصِينَ، فَكَمَا أَنَّ الْغَيْبَةَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ الْمَعْبُودِ نَقْصٌ، فَكَذَلِكَ الْغَيْبَةُ بِالْمَعْبُودِ عَنْ عِبَادَتِهِ نَقْصٌ، حَتَّى إِنَّ مِنَ الْعَارِفِينَ مَنْ لَا يَعْتَدُّ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَيَرَى وُجُودَهَا عَدَمًا، وَيَقُولُ‏:‏ هِيَ بِمَنْزِلَةِ عُبُودِيَّةِ النَّائِمِ وَزَائِلِ الْعَقْلِ، لَا يُعْتَدُّ بِهَا، وَلَمْ يُبْعِدْ هَذَا الْقَائِلُ‏.‏

فَالْحَقُّ تَعَالَى مُرَادُهُ مِنْ عَبْدِهِ اسْتِحْضَارُ عُبُودِيَّتِهِ، لَا الْغَيْبَةُ عَنْهَا، وَالْعَامِلُ عَلَى الْغَيْبَةِ عَنْهَا عَامِلٌ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ اللَّهِ، وَعَلَى حَظِّهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْفَنَاءِ فِي شُهُودِهِ، لَا عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ، وَبَيْنَهُمَا مَا بَيْنَهُمَا‏.‏

فَكَيْفَ يَكُونُ قَائِمًا بِحَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ مَنْ يَقُولُ ‏"‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ‏"‏ وَلَا شُعُورَ لَهُ بِعُبُودِيَّتِهِ الْبَتَّةَ‏؟‏ بَلْ حَقِيقَةُ ‏"‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ‏"‏ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَقَصْدًا وَإِرَادَةً وَعَمَلًا، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي وَادِي الْفَنَاءِ، وَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ يَعْرِفُ هَذَا وَهَذَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَفَنَاءُ الْعِيَانِ فِي الْمُعَايَنِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ جَحْدًا‏.‏

لَمَّا كَانَ مَا قَبْلَ هَذَا فَنَاءَ الْعِلْمِ فِي الْمَعْلُومِ، وَالْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالْعِيَانُ فَوْقَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، إِذْ نِسْبَتُهُ إِلَى الْعِلْمِ كَنِسْبَةِ الْمَرْئِيِّ إِلَيْهِ كَانَ الْفَنَاءُ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَنَاءَ عِيَانِهِ فِي مُعَايَنِهِ، وَمَحْوَ أَثَرِهِ وَاضْمِحْلَالَ رَسْمِهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَفَنَاءُ الطَّلَبِ فِي الْمَوْجُودِ وَهُوَ الْفَنَاءُ حَقًّا‏.‏

يُرِيدُ‏:‏ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِ هَذَا الْعِيَانِ طَلَبٌ، لِأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِمَوْجُودِهِ وَمَطْلُوبِهِ، وَطَلَبُ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَطْلُبُ الْمَفْقُودَ عَنِ الْعِيَانِ لَا الْمَوْجُودَ، فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي عِيَانِهِ وَشُهُودِهِ فَنِيَ الطَّلَبُ حَقًّا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ فَنَاءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإِسْقَاطِهِ، وَفَنَاءُ شُهُودِ الْمَعْرِفَةِ لِإِسْقَاطِهَا، وَفَنَاءُ شُهُودِ الْعِيَانِ لِإِسْقَاطِهِ‏.‏

يُرِيدُ أَنَّ الطَّلَبَ يَسْقُطُ، فَيَشْهَدُ الْعَبْدُ عَدَمَهُ، فَهَاهُنَا أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ أَحَدُهَا‏:‏ فَنَاءُ الطَّلَبِ وَسُقُوطُهُ، ثُمَّ شُهُودُ سُقُوطِهِ، ثُمَّ سُقُوطُ شُهُودِهِ‏.‏

فَهَذَا هُوَ فَنَاءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإِسْقَاطِهِ‏.‏

وَأَمَّا فَنَاءُ شُهُودِ الْمَعْرِفَةِ لِإِسْقَاطِهَا، فَيُرِيدُ بِهِ‏:‏ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُسْقِطُهُ فِي شُهُودِ الْعِيَانِ، إِذْ هُوَ فَوْقَهَا، وَهِيَ تَفْنَى فِيهِ، فَيَشْهَدُ سُقُوطَهَا فِي الْعِيَانِ، ثُمَّ يَسْقُطُ شُهُودُ سُقُوطِهَا‏.‏

وَصَاحِبُ الْمَنَازِلِ يَرَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ قَدْ يَصْحَبُهَا شَيْءٌ مِنْ حِجَابِ الْعِلْمِ، وَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْحِجَابُ إِلَّا بِالْعِيَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْنَى فِي حَقِّهِ الْمَعَارِفُ، فَيَشْهَدُ فَنَاءَهَا وَسُقُوطَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ بَعْدُ بَقِيَّةٌ، لَا تَزُولُ عَنْهُ حَتَّى يَسْقُطَ شُهُودُ فَنَائِهَا وَسُقُوطِهَا مِنْهُ، فَالْعَارِفُ يُخَالِطُهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الْعِلْمِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَالْمُعَايِنُ قَدْ يُخَالِطُهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِشُهُودِ سُقُوطِهَا، ثُمَّ سُقُوطِ شُهُودِ هَذَا السُّقُوطَ‏.‏

وَأَمَّا فَنَاءُ شُهُودِ الْعِيَانِ لِإِسْقَاطِهِ، فَيَعْنِي أَنَّ الْعِيَانَ أيْضًا يَسْقُطُ فَيُشْهَدُ الْعَبْدُ سَاقِطًا، فَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمُعَايَنُ وَحْدَهُ‏.‏

قَالَ الِاتِّحَادِيُّ‏:‏ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ يَرَى مَذْهَبَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ، لِأَنَّ الْعِيَانَ إِنَّمَا يَسْقُطُ فِي مَبَادِئِ حَضْرَةِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي ثَلَاثَةَ أُمُورٍ‏:‏ مُعَايَنٌ، وَمُعَايِنٌ، وَمُعَايَنَةٌ، وَحَضْرَةُ الْجَمْعِ تَنْفِي التِّعْدَادِ‏.‏

وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ‏:‏ فَنَاءُ شُهُودِ الْعِيَانِ، فَيَفْنَى عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمُعَايَنَةِ، وَيَغِيبُ بِمُعَايِنِهِ عَنْ مُعَايَنَتِهِ، لِأَنَّ مُرَادَهُ انْتِفَاءُ التَّعَدُّدِ، وَالتَّغَايُرُ بَيْنَ الْمُعَايَنِ وَالْمُعَايِنِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ‏:‏ انْتِفَاءُ الْحَاجِبِ عَنْ دَرَجَةِ الشُّهُودِ، لَا عَنْ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ، وَلَكِنَّهُ بَابٌ لِإِلْحَادِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ، مِنْهُ يَدْخُلُونَ‏.‏

وَفَرْقٌ بَيْنَ إِسْقَاطِ الشَّيْءِ عَنْ دَرَجَةِ الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ الشُّهُودِيِّ، وَإِسْقَاطِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ الْعَيْنِيِّ، فَشَيْخُ الْإِسْلَامِ- بَلْ مَشَايِخُ الْقَوْمِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِلِسَانِ الْفَنَاءِ- هَذَا مُرَادُهُمْ‏.‏

وَأَمَّا أَهْلُ الْوَحْدَةِ، فَمُرَادُهُمْ‏:‏ أَنَّ حَضْرَةَ الْجَمْعِ وَالْوَحْدَةِ تَنْفِي التَّعَدُّدَ وَالتَّقْيِيدَ فِي الشُّهُودِ وَالْوُجُودِ، بِحَيْثُ يَبْقَى الْمَعْرُوفُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْعَارِفُ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَا بَلْ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ وَالْعَقْلُ وَالْمَعْرِفَةُ حُجُبٌ، بَعْضُهَا أَغْلَظُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَصِيرُ السَّالِكُ عِنْدَهُمْ مُحَقِّقًا حَتَّى يَخْرِقَ حِجَابَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَقْلِ، فَحِينَئِذٍ يُفْضِي إِلَى مَا وَرَاءَ الْحِجَابِ مِنْ شُهُودِ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تَتَقَيَّدُ بِقَيْدٍ، وَلَا تَخْتَصُّ بِوَصْفٍ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ‏:‏ الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ الْفَنَاءِ‏.‏

أَيْ يَشْهَدُ فَنَاءَ كُلِّ مَا سِوَى الْحَقِّ تَعَالَى فِي وُجُودِ الْحَقِّ، ثُمَّ يَشْهَدُ الْفَنَاءَ قَدْ فَنِيَ أيْضًا، ثُمَّ يَفْنَى عَنْ شُهُودِ الْفَنَاءِ، فَذَلِكَ هُوَ الْفَنَاءُ حَقًّا‏.‏

وَقَوْلُهُ‏:‏ شَائِمًا بَرْقَ الْعَيْنِ‏.‏

يَعْنِي نَاظِرًا إِلَى عَيْنِ الْجَمْعِ، فَإِذَا شَامَ بَرْقَهُ مِنْ بُعْدٍ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى رُكُوبِ لُجَّةِ بِحْرِ الْجَمْعِ، وَرُكُوبُهُ إِيَّاهَا هُوَ فَنَاؤُهُ فِي جَمْعِهِ‏.‏

وَيَعْنِي بِالْجَمْعِ‏:‏ الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ وَالْقَدَرِيَّةَ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا جَمِيعُ الْمُتَفَرِّقَاتِ، وَتَشْمِيرُ الْقَوْمِ إِلَى شُهُودِهَا وَالِاسْتِغْرَاقِ وَالْفَنَاءِ فِيهَا هُوَ غَايَةُ السُّلُوكِ وَالْمَعْرِفَةِ عِنْدَهُمْ‏.‏

وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْخُلُ بِهَذَا الْفَنَاءِ وَالشُّهُودِ فِي الْإِسْلَامِ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ بِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ بِهِ مِنْ خَاصَّةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ، فَإِنَّ هَذَا شُهُودٌ مُشْتَرَكٌ لِأَمْرٍ أَقَرَّ بِهِ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏، ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ فَالِاسْتِغْرَاقُ وَالْفَنَاءُ فِي شُهُودِ هَذَا الْقَدْرِ غَايَةُ التَّحْقِيقِ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَلَمْ يَدْخُلُوا بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ، وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، وَتَمَيَّزَ بِهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُحِبَّ سِوَاهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ عَلَى غَيْرِهِ‏.‏

وَالْفَنَاءُ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ‏:‏ هُوَ فَنَاءُ خَاصَّةِ الْمُقَرَّبِينَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏الْفَنَاءُ أَقْسَامُهُ وَمَرَاتِبُهُ‏]‏

إِذَا عَرَفْتَ مُرَادَ الْقَوْمِ بِالْفَنَاءِ، فَنَذْكُرُ أَقْسَامَهُ وَمَرَاتِبَهُ، وَمَمْدُوحَهُ وَمَذْمُومَهُ وَمُتَوَسِّطَهُ‏.‏

فَاعْلَمْ أَنَّ الْفَنَاءَ أَقْسَامُهُ وَمَرَاتِبُهُ مَصْدَرُ فَنِيَ يَفْنَى فَنَاءً إِذَا اضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى وَعُدِمَ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا تَلَاشَتْ قُوَاهُ وَأَوْصَافُهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ‏:‏ لَا يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ شَيْخٌ فَانٍ، وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ‏}‏ أَيْ هَالِكٌ ذَاهِبٌ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِتَجْرِيدِ شُهُودِ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْغَيْبَةِ عَنْ شُهُودِ الْكَائِنَاتِ‏.‏

وَهَذَا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ‏:‏ الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ السِّوَى، وَالْفِنَاءِ عَنْ شُهُودِ السِّوَى، وَالْفِنَاءِ عَنْ إِرَادَةِ السِّوَى‏.‏

فَأَمَّا الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ السِّوَى‏:‏ فَهُوَ فَنَاءُ الْمَلَاحِدَةِ، الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ، وَأَنَّ غَايَةَ الْعَارِفِينَ وَالسَّالِكِينَ الْفَنَاءُ فِي الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَنَفِيُ التَّكَثُّرِ وَالتَّعَدُّدِ عَنِ الْوُجُودِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، فَلَا يَشْهَدُ غَيْرًا أصْلًا، بَلْ يَشْهَدُ وُجُودَ الْعَبْدِ عَيْنَ وُجُودِ الرَّبِّ، بَلْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ رَبٌّ وَعَبْدٌ‏.‏

وَفَنَاءُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ فِي شُهُودِ الْوُجُودِ كُلِّهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ، مَا ثَمَّ وُجُودَانِ مُمْكِنٌ، وَوَاجِبٌ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَوْنِ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ بِاللَّهِ، وَبَيْنَ كَوْنِ وُجُودِهَا هُوَ عَيْنُ وُجُودِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فُرْقَانٌ بَيْنَ الْعَالَمِينَ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَيَجْعَلُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لِلْمَحْجُوبِينَ عَنْ شُهُودِهِمْ وَفَنَائِهِمْ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ تَلْبِيسٌ عِنْدَهُمْ، وَالْمَحْجُوبُ عِنْدَهُمْ يَشْهَدُ أَفْعَالَهُ طَاعَاتٍ أَوْ مَعَاصِيَ، مَا دَامَ فِي مَقَامِ الْفَرْقِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ شَهِدَ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا طَاعَاتٍ، لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا، لِشُهُودِهِ الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ الشَّامِلَةَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ عِنْدَهُمْ فَلَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ، بَلِ ارْتَفَعَتِ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي، لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ اثْنَيْنِيَّةً وَتَعَدُّدًا، وَتَسْتَلْزِمُ مُطِيعًا وَمُطَاعًا، وَعَاصِيًا وَمَعْصِيًّا، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَحْضُ الشِّرْكِ، وَالتَّوْحِيدُ الْمَحْضُ يَأْبَاهُ، فَهَذَا فَنَاءُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ‏.‏

وَأَمَّا الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ السِّوَى‏:‏ فَهُوَ الْفَنَاءُ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيَعُدُّونَهُ غَايَةً، وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ كِتَابَهُ وَجَعَلَهُ الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ‏.‏

وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ فَنَاءَ وُجُودِ مَا سِوَى اللَّهِ فِي الْخَارِجِ، بَلْ فَنَاؤُهُ عَنْ شُهُودِهِمْ وَحِسِّهِمْ، فَحَقِيقَتُهُ‏:‏ غَيْبَةُ أَحَدِهِمْ عَنْ سِوَى مَشْهُودِهِ، بَلْ غَيْبَتُهُ أيْضًا عَنْ شُهُودِهِ وَنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَغِيبُ بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ، وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ حُبِّهِ، وَبِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ‏.‏

وَقَدْ يُسَمَّى حَالٌ مِثْلُ هَذَا سُكْرًا، وَاصْطِلَاحًا، وَمَحْوًا، وَجَمْعًا، وَقَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَقَدْ يَغْلِبُ شُهُودُ الْقَلْبِ بِمَحْبُوبِهِ وَمَذْكُورِهِ حَتَّى يَغِيبَ بِهِ وَيَفْنَى بِهِ، فَيَظُنَّ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ وَامْتَزَجَ، بَلْ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ، كَمَا يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا أَلْقَى مَحْبُوبُهُ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسَهُ وَرَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ مَا الَّذِي أَوْقَعَكَ فِي الْمَاءِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ غِبْتُ بِكَ عَنِّي فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي‏.‏

وَهَذَا إِذَا عَادَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ غَالِطًا فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحَقَائِقَ مُتَمَيِّزَةٌ فِي ذَاتِهَا، فَالرَّبُّ رَبٌّ، وَالْعَبْدُ عَبْدٌ، وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ، لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَكِنْ فِي حَالِ السُّكْرِ وَالْمَحْوِ الِاصْطِلَامُ وَالْفَنَاءُ‏:‏ قَدْ يَغِيبُ عَنْ هَذَا التَّمْيِيزِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ قَدْ يَقُولُ صَاحِبُهَا مَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ ‏"‏ سُبْحَانِي ‏"‏ أَوْ ‏"‏ مَا فِي الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ ‏"‏ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَوْ صَدَرَتْ عَنْ قَائِلِهَا وَعَقْلُهُ مَعَهُ لَكَانَ كَافِرًا، وَلَكِنْ مَعَ سُقُوطِ التَّمْيِيزِ وَالشُّعُورِ، قَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ قَلَمُ الْمُؤَاخَذَةِ‏.‏

وَهَذَا الْفَنَاءُ الْمَحْمُودُ وَالْمَذْمُومُ يُحْمَدُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُذَمُّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُعْفَى مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ‏.‏

فَيُحْمَدُ مِنْهُ‏:‏ فَنَاؤُهُ عَنْ حُبِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَعَنْ خَوْفِهِ، وَرَجَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ يَبْقَى دِينُ الْعَبْدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كُلُّهُ لِلَّهِ‏.‏

وَأَمَّا عَدَمُ الشُّعُورِ وَالْعِلْمِ، بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُ صَاحِبُهُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ- مَعَ اعْتِقَادِهِ الْفَرْقَ- وَلَا بَيْنَ شُهُودِهِ وَمَشْهُودِهِ، بَلْ لَا يَرَى السِّوَى وَلَا الْغَيْرَ، فَهَذَا لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، وَلَا هُوَ وَصْفُ كَمَالٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُرْغَبُ فِيهِ وَيُؤْمَرُ بِهِ، بَلْ غَايَةُ صَاحِبِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا لِعَجْزِهِ، وَضَعْفِ قَلْبِهِ وَعَقْلِهِ عَنِ احْتِمَالِ التَّمْيِيزِ وَالْفُرْقَانِ، وَإِنْزَالِ كُلِّ ذِي مَنْزِلَةٍ مَنْزِلَتَهُ، مُوَافَقَةً لِدَاعِي الْعِلْمِ، وَمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَشُهُودِ الْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ، وَالْعِبَادَةِ وَالْمَعْبُودِ، فَيُنَزِّلُ الْعِبَادَةَ مَنَازِلَهَا، وَيَشْهَدُ مَرَاتَبَهَا، وَيُعْطِي كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْهَا حَقَّهَا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَيَشْهَدُ قِيَامَهُ بِهَا، فَإِنَّ شُهُودَ الْعَبْدِ قِيَامَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ أَكْمَلُ فِي الْعُبُودِيَّةِ مِنْ غَيْبَتِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَدَاءَ الْعُبُودِيَّةِ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْعَبْدِ عَنْهَا وَعَنْ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ السَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ، وَأَدَاؤُهَا فِي حَالِ كَمَالِ يَقَظَتِهِ وَشُعُورِهِ بِتَفَاصِيلِهَا وَقِيَامِهِ بِهَا أَتَمُّ وَأَكْمَلُ وَأَقْوَى عُبُودِيَّةً‏.‏

فَتَأَمَّلْ حَالَ عَبْدَيْنِ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهِمَا، أَحَدُهُمَا يُؤَدِّي حُقُوقَ خِدْمَتِهِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ خِدْمَتِهِ لِاسْتِغْرَاقِهِ بِمُشَاهَدَةِ سَيِّدِهِ، وَالْآخَرُ يُؤَدِّيهَا فِي حَالِ كَمَالِ حُضُورِهِ، وَتَمْيِيزِهِ، وَإِشْعَارِ نَفْسِهِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ، وَابْتِهَاجِهَا بِذَلِكَ، فَرَحًا بِخِدْمَتِهِ، وَسُرُورًا وَالْتِذَاذًا مِنْهُ، وَاسْتِحْضَارًا لِتَفَاصِيلِ الْخِدْمَةِ وَمَنَازِلِهَا، وَهُوَ- مَعَ ذَلِكَ- عَامِلٌ عَلَى مُرَادِ سَيِّدِهِ مِنْهُ، لَا عَلَى مُرَادِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، فَأَيُّ الْعَبْدَيْنِ أَكْمَلُ‏؟‏

فَالْفَنَاءُ‏:‏ حَظُّ الْفَانِي وَمُرَادُهُ، وَالْعِلْمُ، وَالشُّعُورُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْفَرْقُ، وَتَنْزِيلُ الْأَشْيَاءِ مَنَازِلَهَا، وَجَعْلُهَا فِي مَرَاتِبِهَا‏:‏ حَقُّ الرَّبِّ وَمُرَادُهُ، وَلَا يَسْتَوِي صَاحِبُ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ، وَصَاحِبُ تِلْكَ‏.‏

نَعَمْ، هَذَا أَكْمَلُ حَالًا مِنَ الَّذِي لَا حُضُورَ لَهُ وَلَا مُشَاهَدَةَ بِالْمَرَّةِ، بَلْ هُوَ غَائِبٌ بِطَبْعِهِ وَنَفْسِهِ عَنْ مَعْبُودِهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ، وَصَاحِبُ التَّمْيِيزِ وَالْفُرْقَانِ- وَهُوَ صَاحِبُ الْفَنَاءِ الثَّالِثِ- أَكْمَلُ مِنْهُمَا، فَزَوَالُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وَأَفْعَالِهَا لَا يُحْمَدُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، بَلْ يُذَمُّ إِذَا تَسَبَّبَ إِلَيْهِ، وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُ، وَأَعْرَضَ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُ التَّمْيِيزَ وَالْعَقْلَ، وَيُعْذَرُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِلَا اسْتِدْعَاءٍ، بِأَنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ، كَمَا يُعْذَرُ النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يُذَمُّ عَلَى سُكْرِهِ، كَالْمُوجَرِ وَالْجَاهِلِ بِكَوْنِ الشَّرَابِ مُسْكِرًا، وَنَحْوِهِمَا‏.‏

وَلَيْسَ أَيْضًا هَذِهِ الْحَالُ بِلَازِمَةٍ لِجَمِيعِ السَّالِكِينَ، بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ لِبَعْضِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُبْتَلَى بِهَا، كَأَبِي يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُبْتَلَى بِهَا، وَهُمْ أَكْمَلُ وَأَقْوَى، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَهُمْ سَادَاتُ الْعَارِفِينَ، وَأَئِمَّةُ الْوَاصِلِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَقُدْوَةُ السَّالِكِينَ- لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ، مَعَ قُوَّةِ إِرَادَتِهِمْ، وَكَثْرَةِ مُنَازَلَاتِهِمْ، وَمُعَايَنَةِ مَا لَمْ يُعَايِنْهُ غَيْرُهُمْ، وَلَا شَمَّ لَهُ رَائِحَةً، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَنَاءُ كَمَالًا لَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِهِ وَأَهْلَهُ، وَكَانَ لَهُمْ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ‏.‏

وَلَا كَانَ هَذَا أَيْضًا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا حَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِهَذَا- فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى- لَمْ تَعْرِضْ لَهُ هَذِهِ الْحَالُ، بَلْ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقوله‏:‏ ‏{‏مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَمَعَ هَذَا فَأَصْبَحَ بَيْنَهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حَالُهُ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَعْقٌ وَلَا غُشِيَ، يُخْبِرُهُمْ عَنْ تَفْصِيلِ مَا رَأَى، غَيْرَ فَانٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ شُهُودِهِ، وَلِهَذَا كَانْتَ حَالُهُ أَكْمَلَ مَنْ حَالِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَّ صَعِقًا حِينَ تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ وَجَعَلَهُ دَكًّا‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏أَسْبَابُ الْفَنَاءِ‏]‏

وَهَذَا الْفَنَاءُ لَهُ سَبَبَانِ‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ قُوَّةُ الْوَارِدِ وَضَعْفُ الْمَوْرُودِ، وَهَذَا لَا يُذَمُّ صَاحِبُهُ‏.‏

الثَّانِي‏:‏ نُقْصَانُ الْعِلْمِ وَالتَّمْيِيزِ، وَهَذَا يُذَمُّ صَاحِبُهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا أَعْرَضَ عَنِ الْعِلْمِ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْفَنَاءِ، وَذَمَّهُ وَذَمَّ أَهْلَهُ، وَرَأَى ذَلِكَ عَائِقًا مِنْ عَوَائِقِ الطَّرِيقِ، فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ‏.‏

وَلِهَذَا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ الْقَوْمِ بِالْعِلْمِ، وَحُذِّرُوا مِنَ السُّلُوكِ بِلَا عِلْمٍ، وَأُمِرُوا بِهَجْرِ مَنْ هَجَرَ الْعِلْمَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَعَدِمَ الْقَبُولَ مِنْهُ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَآلِ أَمْرِهِ، وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ فِي سَيْرِهِ، وَعَامَّةُ مَنْ تَزَنْدَقَ مِنَ السَّالِكِينَ فَلِإِعْرَاضِهِ عَنْ دَوَاعِي الْعِلْمِ، وَسَيْرِهِ عَلَى جَادَّةِ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ، ذَاهِبَةً بِهِ الطَّرِيقُ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَهَذَا فِتْنَتُهُ وَالْفِتْنَةُ بِهِ شَدِيدَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏أَصْلُ الْفَنَاءِ‏]‏

وَأَصْلُ هَذَا الْفَنَاءِ الِاسْتِغْرَاقُ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ، وَمُلْكِهَا وَاخْتِرَاعِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَطُّ إِلَّا مَا شَاءَهُ وَكَوَّنَهُ، فَيَشْهَدُ مَا اشْتَرَكَتْ فِيهِ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهَا، وَمَشِيئَتِهِ لَهَا، وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَشُمُولِ قَيُّومِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ لَهَا، وَلَا يَشْهَدُ مَا افْتَرَقَتْ فِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِهَذَا وَبُغْضِهِ لِهَذَا، وَأَمْرِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَنَهْيِهِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَمُوَالَاتِهِ لِقَوْمٍ وَمُعَادَاتِهِ لِآخَرِينَ‏.‏

فَلَا يَشْهَدُ التَّفْرِقَةَ فِي الْجَمْعِ، وَهِيَ تَفْرِقَةُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فِي جَمْعِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَفْرِقَةُ مُوجَبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي جَمْعِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَفْرِقَةُ الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ فِي جَمْعِ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ، تَفْرِقَةُ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِي جَمْعِ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، لَا يَشْهَدُ الْكَثْرَةَ فِي الْوُجُودِ، وَهِيَ كَثْرَةُ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَى، وَاقْتِضَاؤُهَا لِآثَارِهَا فِي وَحْدَةِ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَا‏.‏

فَلَا يَشْهَدُ كَثْرَةَ دَلَالَاتِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عَلَى وَحْدَةِ ذَاتِهِ‏.‏

فَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، وَكُلُّ اسْمٍ لَهُ صِفَةٌ، وَلِلصِّفَةِ حُكْمٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَاحِدُ الذَّاتِ، كَثِيرُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَهَذِهِ كَثْرَةٌ فِي وَحْدَةٍ‏.‏

وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَأْمُورِهِ وَمَنْهِيِّهِ، وَمَحْبُوبِهِ وَمَبْغُوضِهِ، وَوَلِيِّهِ وَعَدُوِّهِ، تَفْرِقَةٌ فِي جَمْعٍ، فَمَنْ لَمْ يَتَّسِعْ شُهُودُهُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ فَلَيْسَ مِنْ خَاصَّةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْعَارِفِينَ، بَلْ إِنِ انْصَرَفَ شُهُودُهُ عَنْهَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصٌ، وَإِنْ جَحَدَهَا- أَوْ شَيْئًا مِنْهَا- فَكُفْرٌ صَرِيحٌ أَوْ بِتَأْوِيلٍ، مِثْلَ أَنْ يَجْحَدَ تَفْرِقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَوْ جَمْعَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، أَوْ كَثْرَةَ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَوَحْدَةَ الذَّاتِ‏.‏

فَلْيَتَدَبَّرِ اللَّبِيبُ السَّالِكُ هَذَا الْمَوْضِعَ حَقَّ التَّدَبُّرِ، وَلْيَعْرِفْ قَدْرَهُ، فَإِنَّهُ مَجَامِعُ طُرُقِ الْعَالَمِينَ، وَأَصْلُ تَفْرِقَتِهِمْ، قَدْ ضُبِطَتْ لَكَ مَعَاقِدُهُ، وَأُحْكِمَتْ لَكَ قَوَاعِدُهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ‏.‏

وَإِنَّمَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذَا مَنِ اجْتَازَ الْقِفَارَ، وَاقْتَحَمَ الْبَحَّارَ، وَعَرَضَ لَهُ مَا يَعْرِضُ لِسَالِكِ الْقَفْرِ، وَرَاكِبِ الْبَحْرِ، وَمَنْ لَمْ يُسَافِرْ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ وَطَنِ طَبْعِهِ وَمَرْبَاهُ، وَمَا أَلِفَ عَلَيْهِ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَ زَمَانِهِ، فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا، فَإِنْ عُرِفَ قَدْرُهُ، وَكَفَى النَّاسَ شَرَّهُ، فَهَذَا يُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ، وَإِنْ عَدَا طَوْرَهُ، وَأَنْكَرَ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ، وَكَذَّبَ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا، ثُمَّ تَجَاوَزَ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَهُ وَلَمْ يُقَلِّدْ شُيُوخَهُ، وَيَرْضَى بِمَا رَضِيَ هُوَ بِهِ لِنَفْسِهِ، فَذَلِكَ الظَّالِمُ الْجَاهِلُ، الَّذِي مَا ضَرَّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا أَضَاعَ إِلَّا حَظَّهُ‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏الْفَنَاءُ وَمَهَالِكُهُ‏]‏

وَيَعْرِضُ لِلسَّالِكِ عَلَى دَرْبِ الْفَنَاءِ مَعَاطِبُ وَمَهَالِكُ، لَا يُنْجِيهِ مِنْهَا إِلَّا بَصِيرَةُ الْعِلْمِ، الَّتِي إِنْ صَحِبَتْهُ فِي سَيْرِهِ، وَإِلَّا فَبِسَبِيلِ مَنْ هَلَكَ‏.‏

مِنْهَا‏:‏ أَنَّهُ إِذَا اقْتَحَمَ عُقْبَةَ الْفَنَاءِ ظَنَّ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، لِتَشْوِيشِهِ عَلَى الْفَنَاءِ وَنَقْضِهِ لَهُ، وَالْفَنَاءُ عِنْدَهُ غَايَةُ الْعَارِفِينَ، وَنِهَايَةُ التَّوْحِيدِ، فَيَرَى تَرْكَ كُلِّ مَا أَبْطَلَهُ وَأَزَالَهُ، مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيُصَرِّحُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْقُطُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَمَّنْ شَهِدَ الْإِرَادَةَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَازِمَانِ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا الْمَغْرُورُ أَنَّ غَايَةَ مَا مَعَهُ الْفَنَاءُ فِي تَوْحِيدِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا بِهِ مُسْلِمِينَ الْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ‏}‏ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ اللَّهُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ‏.‏

وَمَنْ كَانَ هَذَا التَّوْحِيدُ وَالْفَنَاءُ غَايَةَ تَوْحِيدِهِ انْسَلَخَ مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَمِنْ جَمِيعِ رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، إِذْ لَمْ يَتَمَيَّزْ عِنْدَهُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِمَّا نَهَى عَنْهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ، وَلَا بَيْنَ مَحْبُوبِهِ وَمَبْغُوضِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَسَوَّى بَيْنَ الْمُتَّقِينَ وَالْفُجَّارِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، بَلْ لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا الطَّاعَةُ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْمَشِيئَةُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ‏.‏

ثُمَّ صَاحَبُ هَذَا الْمَقَامِ يَظُنُّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى عَيْنِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا وَصَلَ الْمِسْكِينُ إِلَى الْحَقِيقَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ أَجْمَعُونَ، وَكُلُّ كَافِرٍ وَمُشْرِكٍ وَفَاجِرٍ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ، فَغَايَةُ صَاحِبِ هَذَا الْمَشْهَدِ وُصُولُهُ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ اسْتِوَاءَ هَؤُلَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَارِ، وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَخَاصَّةِ عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْفَرْقِ، وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ ضَرُورَةٌ، فَيَنْسَلِخُ عَنِ الْفَرْقِ الشَّرْعِيِّ، وَيَعُودُ إِلَى الْفَرْقِ الطَّبْعِيِّ النَّفْسِيِّ بِهَوَاهُ وَطَبْعِهِ، إِذْ لَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ فَيَمِيلُ إِلَيْهِ، وَمَا يَضُرُّهُ فَيَهْرُبُ مِنْهُ، فَبَيْنَا هُوَ مُنْكِرٌ عَلَى أَهْلِ الْفِرْقِ الشَّرْعِيِّ نَاكِبًا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ إِلَى عَيْنِ الْجَمْعِ، إِذِ انْتَكَسَ وَارْتَكَسَ، وَعَادَ إِلَى الْفَرْقِ الطَّبْعِيِّ النَّفْسِيِّ، فَيُوَالِي وَيُعَادِي، وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ، بِحَسَبِ هَوَاهُ وَإِرَادَتِهِ‏.‏

فَإِنَّ الْفَرْقَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِلْإِنْسَانِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَرْقُهُ قُرْآنِيًا مُحَمَّدِيًّا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَانُونٍ يُفَرِّقُ بِهِ‏:‏ إِمَّا سِيَاسَةُ سَائِسٍ فَوْقَهُ، أَوْ ذَوْقٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ رَأْيٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يُفَرِّقُ فَرْقًا بَهِيمِيًّا حَيَوَانِيًّا بِحَسَبِ مُجَرَّدِ شَهْوَتِهِ وَغَرَضِهِ أَيْنَ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ‏.‏

فَلْيَنْظُرِ الْعَبْدُ مَنِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ، وَلْيَزِنْ بِهِ إِيمَانَهُ قَبْلَ أَنْ يُوزَنَ، وَلْيُحَاسِبْ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، وَلْيَسْتَبْدِلِ الذَّهَبَ بِالْخَزَفِ، وَالدُّرَّ بِالْبَعْرِ، وَالْمَاءَ الزُّلَالَ بِالسَّرَابِ الَّذِي‏}‏ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏}‏ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ إِلَى دَارِ الصَّرْفِ، فَيُقَالُ‏:‏ هَيْهَاتَ‏!‏ الْيَوْمُ يَوْمُ الْوَفَاءِ، وَمَا مَضَى فَقَدْ فَاتَ، أُحْصِيَ الْمُسْتَخْرَجُ وَالْمَصْرُوفُ، وَسَتَعْلَمُ الْآنَ مَا مَعَكَ مِنَ النَّقْدِ الصَّحِيحِ وَالزُّيُوفِ‏.‏

وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ صَائِحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، إِذَا تَنَاهَوْا فِي حَقِيقَتِهِمْ أَضَافُوا الْجَمِيعَ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى، وَجَعَلُوهَا عَيْنَ الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ، ضَاهَئُوا الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ‏}‏ وَقَوْلُهُمْ عَنْ آلِهَتِهِمْ ‏{‏لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ‏}‏ وَقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا‏}‏ فَاحْتَجُّوا بِإِقْرَارِ اللَّهِ لَهُمْ قَدَرًا وَكَوْنًا عَلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ وَأَمْرِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، فَجَعَلُوا قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ عَيْنَ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَوَرِثَهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بِالْفَرْقِ النَّبَوِيِّ الْقُرْآنِيِّ‏.‏

وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ مُعَارِضِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَمَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَعَارَضُوا الْحَقِيقَةَ الدِّينِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ، وَوَرِثَهُمْ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ أَبْطَلَتْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ‏.‏

وَظَنَّتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ إِثْبَاتَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ يُبْطِلُ الشَّرَائِعَ وَالنُّبُوَّاتِ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ احْتَجُّوا عَلَى بُطْلَانِهَا بِإِثْبَاتِهِ، فَجَعَلَتِ التَّكْذِيبَ بِهِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، بَلْ أَعْظَمَ أُصُولِهِ، فَرَدَّتَ قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ الشَّامِلَ الْعَامَّ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ‏.‏

فَانْظُرْ إِلَى اقْتِسَامِ الطَّوَائِفِ هَذَا الْمَوْضِعَ، وَافْتِرَاقِهِمْ فِي مَفْرِقِ هَذَا الطَّرِيقِ عِلْمًا وَخَبَرًا، وَسُلُوكًا وَحَقِيقَةً، وَتَأَمَّلْ أَحْوَالَ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، تَنْكَشِفْ لَكَ أَسْرَارُ الْعَالَمِينَ، وَتَعْلَمْ أَيْنَ أَنْتَ وَأَيْنَ مَقَامُكَ‏؟‏ وَتَعْرِفْ مَا جَنَى هَذَا الْجَمْعُ وَهَذَا الْفَنَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَا خَرَّبَ مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالْأَرْكَانِ، وَتَتَحَقَّقْ حِينَئِذٍ أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ فُرْقَانٌ فِي الْقُرْآنِ، فَرْقٌ فِي جَمْعٍ، وَكَثْرَةٌ فِي وَحْدَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَدِينِهِ أَصْحَابُ الْفَرْقِ فِي الْجَمْعِ، فَيَقُومُونَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضُهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُوَالِيهِ وَيُعَادِيهِ، عِلْمًا وَشُهُودًا، وَإِرَادَةً وَعَمَلًا، مَعَ شُهُودِهِمُ الْجَمْعَ لِذَلِكَ كُلِّهِ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمَشِيئَتِهِ الشَّامِلَةِ الْعَامَّةِ، فَيُؤْمِنُونَ بِالْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ، وَيُعْطُونَ كُلَّ حَقِيقَةٍ حَظَّهَا مِنَ الْعِبَادَةِ‏.‏

فَحَظُّ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ الْقِيَامُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ، وَمُوَالَاةُ مَنْ وَالَاهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الْحُبُّ فِيهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ‏.‏

وَحَظُّ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ إِفْرَادُهُ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، وَإِفْرَادُهُ بِالسُّؤَالِ وَالطَّلَبِ، وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ، وَالتَّحَقُّقِ بِأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ سِوَاهُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَأَنَّهُ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ، فَقُلُوبُهُمْ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ‏.‏

فَلِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ عُبُودِيَّةٌ، وَلِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ عُبُودِيَّةٌ، وَلَا تُبْطِلُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، بَلْ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَا، وَلَا تَتِمُّ الْعُبُودِيَّةُ إِلَّا بِمَجْمُوعِهِمَا، وَهَذَا حَقِيقَةُ قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ بِخِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ حَقِيقَةَ ‏"‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏ ‏"‏ بِحَقِيقَةِ ‏"‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏"‏ وَقَالَ‏:‏ إِنَّهَا جَمْعٌ، وَ ‏"‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏ ‏"‏ فَرْقٌ، وَقَدْ يَغْلُو فِي هَذَا الْمَشْهَدِ فَلَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً، وَلَا يَسْتَقْبِحُ قَبِيحَةً، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ‏:‏ الْعَارِفُ لَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً، وَلَا يَسْتَقْبِحُ قَبِيحَةً لِاسْتِبْصَارِهِ بِسِرِّ الْقَدَرِ‏.‏

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ‏:‏ حَقِيقَةُ هَذَا الْمَشْهَدِ أَنْ يَشْهَدَ الْوُجُودَ كُلَّهُ حَسَنًا لَا قَبِيحَ فِيهِ، وَأَفْعَالَهُمْ كُلَّهَا طَاعَاتٍ لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا، لِأَنَّهُمْ- وَإِنْ عَصَوُا الْأَمْرَ- فَهُمْ مُطِيعُونَ الْمَشِيئَةَ، وَيَقُولُونَ‏:‏

أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِمَا تَخْتَــارُهُ *** مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَــاتُ

وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ‏:‏ مَنْ شَهِدَ الْحَقِيقَةَ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏ وَيُفَسِّرُونَ الْيَقِينَ بِشُهُودِ الْحُكْمِ الْكَوْنِيِّ، وَهِيَ الْحَقِيقَةُ عِنْدَهُمْ‏.‏

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَامَّةَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَصَحُّ إِيمَانًا، فَإِنَّ هَذَا زَنْدَقَةٌ وَنِفَاقٌ، وَكَذِبٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ وَإِلَهِهِمْ‏.‏

أَمَّا كَذِبُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقُوا قَطْعًا، فَرَغِبُوا عَنِ الْفَرْقِ النَّبَوِيِّ وَالْقُرْآنِيِّ، وَوَقَعُوا فِي الْفَرْقِ النَّفْسِيِّ الطَّبْعِيِّ، مِثْلَ حَالِ إِبْلِيسَ، تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْقِيَادَةِ لِفُسَّاقِ ذُرِّيَّتِهِ، وَمِثْلَ الْمُشْرِكِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِعِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالْمَوْتَى وَالْأَوْثَانِ، وَمِثْلَ أَهْلِ الْبِدَعِ تَكَبَّرُوا عَنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ، وَتَلَقِّي الْهُدَى مِنْ مِشْكَاتِهَا، وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِتَقْلِيدِ أَقْوَالٍ مُخَالِفَةٍ لِلْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، وَظَنُّوهَا قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، وَقَدَّمُوهَا عَلَى نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ شُبُهَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِلسَّمْعِ وَالْعَقْلِ‏.‏

وَمِثْلَ الْجَهْمِيَّةِ نَزَّهُوا الرَّبَّ عَنْ عَرْشِهِ، وَجَعَلُوهُ فِي أَجْوَافِ الْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَمَّامَاتِ، وَقَالُوا‏:‏ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ حَذَرًا- بِزَعْمِهِمْ- مِنَ التَّشْبِيهِ فَشَبَّهُوهُ بِالْجَامِدَاتِ النَّاقِصَةِ الْخَسِيسَةِ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ، وَلَا سَمْعَ لَهَا وَلَا بَصَرَ، وَلَا عِلْمَ وَلَا حَيَاةَ، بَلْ شَبَّهُوهُ بِالْمَعْدُومَاتِ الْمُمْتَنِعِ وُجُودُهَا‏.‏

وَمِثْلَ الْمُعَطَّلَةِ الَّذِينَ قَالُوا‏:‏ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَّا الْعَدَمُ، وَلَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ يُعْبَدُ، وَلَا إِلَهٌ يُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ، وَلَا تَرْتَفِعُ الْأَيْدِي إِلَيْهِ، وَلَا رَفَعَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِ، وَلَا تَعَرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَلَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، وَلَا دُنِّيَ مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، وَلَا يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ فَوْقِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى عَرْشِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ عَلَى الْمَجَازِ الَّذِي يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَعُلُوُّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالرُّتْبَةِ وَالشَّرَفِ لَا بِالذَّاتِ، وَكَذَلِكَ فَوَقِيَّتُهُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ، لَا فَوْقِيَّةَ ذَاتٍ، فَنَزَّهُوهُ عَنْ كَمَالِ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ، وَوَصَفُوهُ بِمَا سَاوَوْا بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدَمِ وَالْمُسْتَحِيلِ، فَقَالُوا‏:‏ لَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ، وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ، وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا مُحَايِثٌ لَهُ، وَلَا مُبَايِنٌ لَهُ، وَلَا هُوَ فِينَا، وَلَا خَارِجٌ عَنَّا‏.‏

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ‏:‏ صِفْ لَنَا الْعَدَمَ، لَوَصَفَهُ بِهَذَا بِعَيْنِهِ‏.‏

وَانْطِبَاقُ هَذَا السَّلْبِ عَلَى الْعَدَمِ الْمَحْضِ أَقْرَبُ إِلَى الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ مِنِ انْطِبَاقِهِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ‏.‏

وَالْقَصْدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ وَجَحَدَهُ، وَقَعَ فِي بَاطِلٍ مُقَابِلٍ لِمَا أَعْرَضَ عَنْهُ مِنَ الْحَقِّ وَجَحَدَهُ وَلَا بُدَّ، حَتَّى فِي الْأَعْمَالِ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْعَمَلِ لِوَجْهِ اللَّهِ وَحْدَهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ لِوُجُوهِ الْخَلْقِ، فَرَغِبَ عَنِ الْعَمَلِ لِمَنْ ضَرُّهُ وَنَفْعُهُ وَمَوْتُهُ وَحَيَاتُهُ وَسَعَادَتُهُ بِيَدِهِ، فَابْتُلِيَ بِالْعَمَلِ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ‏.‏

وَكَذَلِكَ مَنْ رَغِبَ عَنْ إِنْفَاقِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ابْتُلِيَ بِإِنْفَاقِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ رَاغِمٌ‏.‏

وَكَذَلِكَ مَنْ رَغِبَ عَنِ التَّعَبِ لِلَّهِ ابْتُلِيَ بِالتَّعَبِ فِي خِدْمَةِ الْخَلْقِ وَلَا بُدَّ‏.‏

وَكَذَلِكَ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْهَدْيِ بِالْوَحْيِ، ابْتُلِيَ بِكُنَاسَةِ الْآرَاءِ وَزِبَالَةِ الْأَذْهَانِ، وَوَسَخِ الْأَفْكَارِ‏.‏

فَلْيَتَأَمَّلْ مَنْ يُرِيدُ نُصْحَ نَفْسِهِ وَسَعَادَتَهَا وَفَلَاحَهَا هَذَا الْمَوْضِعَ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ‏.‏

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَامَّةَ- مَعَ غَفْلَتِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ- أَصَحُّ إِيمَانًا مِنْ هَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يُعَطِّلُوا الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، فَإِنَّ إِيمَانًا مَعَ تَفْرِقَةٍ وَغَفْلَةٍ، خَيْرٌ مِنْ شُهُودٍ وَجَمْعِيَّةٍ يَصْحَبُهَا فَسَادُ الْإِيمَانِ وَالِانْسِلَاخُ مِنْهُ‏.‏

وَأَمَّا كَذِبُهُمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ فَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قِيَامُهُ بِالْأَوْرَادِ وَالْعِبَادَاتِ لِأَجْلِ التَّشْرِيعِ، لَا لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ، إِذْ قَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ بِشُهُودِ الْحَقِيقَةِ وَكَمَالِ الْيَقِينِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَهُ وَأَمَرَ سَائِرَ رُسُلِهِ بِعِبَادَتِهِ إِلَى حِينِ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، فَقَالَ‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏ وَهُوَ الْمَوْتُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنِ الْكُفَّارِ ‏{‏وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ‏}‏ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ قَالَهُ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ، وَقَالَ الْمَسِيحُ ‏{‏إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا‏}‏ فَهَذِهِ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ لِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ، قَالَ الْحَسَنُ‏:‏ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ‏.‏

وَإِذَا جَمَعَ هَؤُلَاءِ التَّجَهُّمَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إِلَى شُهُودِ الْحَقِيقَةِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا، فَأَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ تَعْطِيلِ الرَّبِّ وَشَرْعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا رَبَّ يُعْبَدُ، وَلَا شَرْعَ يُتَّبَعُ بِالْكُلِّيَّةِ‏.‏

وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ مَا ذَكَرْنَا فَلْيُسَيِّرْ طَرْفَهُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ، وَلْيَقِفْ عَلَى تِلْكَ الْمَعَاهِدِ، وَلْيَسْأَلِ الْأَحْوَالَ وَالرُّسُومَ وَالشَّوَاهِدَ، فَإِنْ لَمْ تَجُبْهُ حِوَارًا، أَجَابَتْهُ حَالًا وَاعْتِبَارًا، وَإِنَّمَا يُصَدِّقُ بِهَذَا مَنْ رَافَقَ السَّالِكِينَ، وَفَارَقَ الْقَاعِدِينَ وَتَبَوَّأَ الْإِيمَانَ، وَفَارَقَ عَوَائِدَ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَرْضَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ‏:‏

دَعِ الْمَعَالِي لَا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِهَــا *** وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِـي

فَصْلٌ‏:‏ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ دَرَجَاتِ الْفَنَاءِ

فَنَاءُ خَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ وَأَئِمَّةِ الْمُقَرَّبِينَ وَهُوَ الْفَنَاءُ عَنْ إِرَادَةِ السِّوَى، شَائِمًا بِرِقِّ الْفِنَاءِ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَاهُ، سَالِكًا سَبِيلَ الْجَمْعِ عَلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَانِيًا بِمُرَادِ مَحْبُوبِهِ مِنْهُ عَنْ مُرَادِهِ هُوَ مِنْ مَحْبُوبِهِ، فَضْلًا عَنْ إِرَادَةِ غَيْرِهِ، قَدِ اتَّحَدَ مُرَادُهُ بِمُرَادِ مَحْبُوبِهِ- أَعْنِي الْمُرَادَ الدِّينِيَّ الْأَمْرِيَّ، لَا الْمُرَادَ الْكَوْنِيَّ الْقَدَرِيَّ- فَصَارَ الْمُرَادَانِ وَاحِدًا‏.‏

وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ اتِّحَادٌ صَحِيحٌ إِلَّا هَذَا، وَالِاتِّحَادُ فِي الْعِلْمِ وَالْخَبَرِ، فَيَكُونُ الْمُرَادَانِ وَالْمَعْلُومَانِ وَالْمَذْكُورَانِ وَاحِدًا، مَعَ تَبَايُنِ الْإِرَادَتَيْنِ وَالْعِلْمَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ، فَغَايَةُ الْمَحَبَّةِ اتِّحَادُ مُرَادِ الْمُحِبِّ بِمُرَادِ الْمَحْبُوبِ، وَفَنَاءُ إِرَادَةِ الْمُحِبِّ فِي مُرَادِ الْمَحْبُوبِ‏.‏

فَهَذَا الِاتِّحَادُ وَالْفَنَاءُ هُوَ اتِّحَادُ خَوَاصِّ الْمُحِبِّينَ وَفَنَاؤُهُمْ، فَنَوْا بِعِبَادَةِ مَحْبُوبِهِمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَبِحُبِّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالطَّلَبِ مِنْهُ، عَنْ حُبِّ مَا سِوَاهُ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ‏.‏

وَمِنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْفَنَاءِ‏:‏ أَنْ لَا يُحِبَّ إِلَّا فِي اللَّهِ‌‌‌‌‌ وَلَا يُبْغِضَ إِلَّا فِيهِ، وَلَا يُوَالِيَ إِلَّا فِيهِ، وَلَا يُعَادِيَ إِلَّا فِيهِ، وَلَا يُعْطِيَ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَمْنَعَ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَرْجُوَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَسْتَعِينَ إِلَّا بِهِ، فَيَكُونُ دِينُهُ كُلُّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِلَّهِ، وَيَكُونُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فَلَا يُوَادُّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، بَلْ‏:‏

يُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ *** جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَـا

وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ فَنَاؤُهُ عَنْ هَوَى نَفْسِهِ وَحُظُوظِهَا بِمِرَاضِي رَبِّهِ وَحُقُوقِهِ‏.‏

وَالْجَامِعُ لِهَذَا كُلِّهِ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً، وَعَمَلًا وَحَالًا وَقَصْدًا‏.‏

وَحَقِيقَةُ هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ هُوَ الْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ، فَيَفْنَى عَنْ تَأْلِيهِ مَا سِوَاهُ عِلْمًا وَإِقْرَارًا وَتَعَبُّدًا، وَيَبْقَى بِتَأْلِيهِهِ وَحْدَهُ‏.‏

فَهَذَا الْفَنَاءُ وَهَذَا الْبَقَاءُ هُوَ حَقِيقَةُ التَّوَحُّدِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُرْسَلُونَ، وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، وَخُلِقَتْ لِأَجْلِهِ الْخَلِيقَةُ، وَشُرِعَتْ لَهُ الشَّرَائِعُ، وَقَامَ عَلَيْهِ سُوقُ الْجَنَّةِ، وَأُسِّسَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ‏.‏

وَحَقِيقَتُهُ أَيْضًا الْبَرَاءُ وَالْوَلَاءُ، الْبَرَاءُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَالْوَلَاءُ لِلَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانْتَ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ‏}‏ وَقَالَ أَيْضًا ‏{‏يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا‏}‏ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ إِلَى آخِرِهَا، وَهَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنْهُمْ وَمِنْ مَعْبُودِهِمْ وَسَمَّاهَا بَرَاءَةً مِنَ الشِّرْكِ‏.‏

وَهِيَ حَقِيقَةُ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ، فَيَمْحُو مَحَبَّةَ مَا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَلْبِهِ، عِلْمًا وَقَصْدًا وَعِبَادَةً، كَمَا هِيَ مَمْحُوَّةٌ مِنَ الْوُجُودِ، وَيُثْبِتُ فِيهِ إِلَهِيَّتَهُ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ‏.‏

وَهِيَ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِلَهِ الْحَقِّ وَبَيْنَ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِالْبَاطِلِ، وَيَجْمَعُ تَأْلِيهَهُ وَعِبَادَتَهُ وَحُبَّهُ وَخَوْفَهُ وَرَجَاءَهُ وَتَوَكُّلَهُ وَاسْتِعَانَتَهُ عَلَى إِلَهِهِ الْحَقِّ الَّذِي لَا إِلَهَ سِوَاهُ‏.‏

وَهِيَ حَقِيقَةُ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، فَيَتَجَرَّدُ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَيُفْرِدُهُ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ، فَالتَّجْرِيدُ نَفْيٌ، وَالتَّفْرِيدُ إِثْبَاتٌ، وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ التَّوْحِيدُ‏.‏

فَهَذَا الْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ، وَالْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ، وَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالْجَمْعُ وَالتَّجْرِيدُ، وَالتَّفْرِيدُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ هُوَ النَّافِعُ الْمُثْمِرُ، الْمُنَجِّي، الَّذِي بِهِ تُنَالُ السَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ‏.‏

وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ- الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ- فَغَايَتُهُ فَنَاءٌ فِي تَحْقِيقِ تَوْحِيدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ، لَا يَصِيرُ بِهِ وَحْدَهُ الرَّجُلُ مُسْلِمًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ عَارِفًا مُحَقِّقًا‏.‏

وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا غَلِطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ، وَأَصْحَابِ الْإِرَادَةِ مِمَّنْ غَلُظَ حِجَابُهُ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَالتَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ مَنْزِلَةُ الْمُحَاسَبَةِ

‏[‏مِنْ مَنْزِلَةِ الْمُحَاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ‏]‏

فَلْنَرْجِعْ إِلَى ذِكْرِ مَنَازِلِ ‏"‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏"‏ الَّتِي لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يَنْزِلَ مَنَازِلَهَا‏.‏

فَذَكَرْنَا مِنْهَا الْيَقَظَةَ وَالْبَصِيرَةَ وَالْفِكْرَةَ وَالْعَزْمَ‏.‏

وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ الْأَرْبَعَةُ لِسَائِرِ الْمَنَازِلِ كَالْأَسَاسِ لِلْبُنْيَانِ، وَعَلَيْهَا مَدَارُ مَنَازِلِ السَّفَرِ إِلَى اللَّهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ السَّفَرُ إِلَيْهِ بِدُونِ نُزُولِهَا الْبَتَّةَ، وَهِيَ عَلَى تَرْتِيبِ السَّيْرِ الْحِسِّيِّ، فَإِنَّ الْمُقِيمَ فِي وَطَنِهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ السَّفَرُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ غَفْلَتِهِ عَنِ السَّفَرِ، ثُمَّ يَتَبَصَّرَ فِي أَمْرِ سَفَرِهِ وَخَطَرِهِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَالْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ يُفَكِّرُ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ وَالتَّزَوُّدِ وَإِعْدَادِ عُدَّتِهِ، ثُمَّ يَعْزِمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَأَجْمَعَ قَصْدَهُ انْتَقَلَ إِلَى مَنْزِلَةِ الْمُحَاسِبَةِ وَهِيَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ، فَيَسْتَصْحِبُ مَا لَهُ، وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرَ مَنْ لَا يَعُودُ‏.‏

وَمِنْ مَنْزِلَةِ الْمُحَاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ لِأَنَّهُ إِذَا حَاسَبَ نَفْسَهُ، عَرَفَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَخَرَجَ مِنْهُ، وَتَنَصَّلُ مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهِيَ حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ فَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهَا لِذَلِكَ أَوْلَى‏.‏

وَلِتَأْخِيرِهَا عَنْهَا وَجْهٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ‏.‏

وَالتَّحْقِيقُ أَنْ التَّوْبَةَ بَيْنَ مُحَاسَبَتَيْنِ، مُحَاسَبَةٍ قَبْلَهَا، تَقْتَضِي وُجُوبَهَا، وَمُحَاسَبَةٍ بَعْدَهَا، تَقْتَضِي حِفْظَهَا، فَالتَّوْبَةُ مَحْفُوفَةٌ بِمُحَاسَبَتَيْنِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمْتَ لِغَدٍ‏}‏ فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ الْعَبْدَ أَنْ يَنْظُرَ مَا قَدَّمَ لِغَدٍ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مُحَاسَبَةَ نَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرَ هَلْ يَصْلُحُ مَا قَدَّمَهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ‏؟‏‏.‏

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا النَّظَرِ مَا يُوجِبُهُ وَيَقْتَضِيهِ، مِنْ كَمَالِ الِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، وَتَقْدِيمِ مَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَيُبَيِّضُ وَجْهَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏:‏ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ‏}‏ أَوْ قَالَ‏:‏ عَلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ‏.‏

أَرْكَانُ الْمُحَاسَبَةِ

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الْمُقَايَسَةُ بَيْنَ مَا لِلْعَبْدِ وَمَا لِلَّهِقَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ‏:‏ الْمُحَاسَبَةُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنْ تُقَايِسَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ وَجِنَايَتِكَ ‏"‏ مِنْ أَرْكَانِ الْمُحَاسَبَةِ ‏"‏‏.‏

يَعْنِي تُقَايِسَ بَيْنَ مَا مِنَ اللَّهِ وَمَا مِنْكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَكَ التَّفَاوُتُ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا عَفْوُهُ وَرَحْمَتُهُ، أَوِ الْهَلَاكُ وَالْعَطَبُ‏.‏

وَبِهَذِهِ الْمُقَايَسَةِ تَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ رَبٌّ وَالْعَبْدَ عَبْدٌ، وَيَتَبَيَّنُ لَكَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ وَصِفَاتُهَا، وَعَظْمَةُ جَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالْكَمَالِ وَالْإِفْضَالِ، وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلَّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، وَأَنْتَ قَبْلَ هَذِهِ الْمُقَايَسَةِ جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ نَفْسِكَ، وَبِرُبُوبِيَّةِ فَاطِرِهَا وَخَالِقِهَا، فَإِذَا قَايَسْتَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّهَا مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ، وَأَسَاسُ كُلِّ نَقْصٍ، وَأَنَّ حَدَّهَا الْجَاهِلَةُ الظَّالِمَةُ، وَأَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ بِتَزْكِيَتِهِ لَهَا مَا زَكَتْ أَبَدًا، وَلَوْلَا هُدَاهُ مَا اهْتَدَتْ، وَلَوْلَا إِرْشَادُهُ وَتَوْفِيقُهُ لَمَا كَانَ لَهَا وُصُولٌ إِلَى خَيْرٍ الْبَتَّةَ، وَأَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لَهَا مِنْ بَارِئِهَا وَفَاطِرِهَا، وَتَوَقُّفَهُ عَلَيْهِ كَتَوَقُّفِ وُجُودِهَا عَلَى إِيجَادِهِ، فَكَمَا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا وُجُودٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا كَمَالُ الْوُجُودِ، فَلَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا إِلَّا الْعَدَمُ- عَدَمُ الذَّاتِ، وَعَدَمُ الْكَمَالِ- فَهُنَاكَ تَقُولُ حَقًّا ‏"‏ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي ‏"‏‏.‏

ثُمَّ تُقَايِسُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَتَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمُقَايَسَةِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ قَدْرًا وَصِفَةً‏.‏

وَهَذِهِ الْمُقَايَسَةُ الثَّانِيَةُ مُقَايَسَةٌ بَيْنَ أَفْعَالِكَ وَمَا مِنْكَ خَاصَّةً‏.‏

قَالَ‏:‏ وَهَذِهِ الْمُقَايَسَةُ تَشُقُّ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ‏:‏ نُورُ الْحِكْمَةِ، وَسُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ، وَتَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الْفِتْنَةِ‏.‏

يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمُقَايَسَةَ وَالْمُحَاسَبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى نُورِ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، وَهُوَ نُورُ الْحِكْمَةِ، فَبِقَدْرِهِ تَرَى التَّفَاوُتَ، وَتَتَمَكَّنُ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ‏.‏

وَنُورُ الْحِكْمَةِ هَاهُنَا‏:‏ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ، وَالْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُبْصِرُ بِهِ مَرَاتِبَ الْأَعْمَالِ، رَاجِحَهَا وَمَرْجُوحَهَا، وَمَقْبُولَهَا وَمَرْدُودَهَا، وَكُلَّمَا كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا النُّورِ أَقْوَى كَانَ حَظُّهُ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ‏.‏

وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ فَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ التَّفْتِيشِ وَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ، فَيَرَى الْمَسَاوِئَ مَحَاسِنَ، وَالْعُيُوبَ كَمَالًا، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يَرَى مَسَاوِئَ مَحْبُوبِهِ وَعُيُوبَهُ كَذَلِكَ‏.‏

فَعَيْنُ الرِّضَى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَـةٌ *** كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا

وَلَا يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَهَا، وَمَنْ أَحْسَنَ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِنَفْسِهِ‏.‏

وَأَمَّا تَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الْفِتْنَةِ‏:‏ فَلْيُفَرِّقْ بَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرَى بِهَا الْإِحْسَانُ وَاللُّطْفُ، وَيُعَانُ بِهَا عَلَى تَحْصِيلِ سَعَادَتِهِ الْأَبَدِيَّةِ، وَبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرَى بِهَا الِاسْتِدْرَاجُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالنِّعَمِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِ، مَغْرُورٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ حَوَائِجَهُ وَسَتْرِهِ عَلَيْهِ‏!‏ وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَلَامَةُ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ‏.‏

فَإِذَا كَمَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِيهِ عَرَفَ حِينَئِذٍ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِجَمْعِهِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ نِعْمَةٌ حَقِيقَةٌ، وَمَا فَرَّقَهُ عَنْهُ وَأَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ الْبَلَاءُ فِي صُورَةِ النِّعْمَةِ، وَالْمِحْنَةُ فِي صُورَةِ الْمِنْحَةِ، فَلْيَحْذَرْ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَدْرَجٌ، وَيُمَيِّزْ بِذَلِكَ أَيْضًا بَيْنَ الْمِنَّةِ وَالْحُجَّةِ، فَكَمْ تَلْتَبِسُ إِحْدَاهُمَا عَلَيْهِ بِالْأُخْرَى‏!‏‏.‏

فَإِنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ مِنَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَحُجَّةٍ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا، فَالْحُكْمُ الدِّينِيُّ مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وَحُجَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ‏}‏‏.‏

وَالْحُكْمُ الْكَوْنِيُّ أَيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وَحُجَّتِهِ، فَإِذَا حَكَمَ لَهُ كَوْنًا حُكْمًا مَصْحُوبًا بِاتِّصَالِ الْحُكْمِ الدِّينِيِّ بِهِ فَهُوَ مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ الدِّينِيُّ فَهُوَ حُجَّةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ‏.‏

وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ الدِّينِيُّ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُهُ الْكَوْنِيُّ، فَتَوْفِيقُهُ لِلْقِيَامِ بِهِ مِنَّةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ حُكْمِهِ الْكَوْنِيِّ صَارَ حُجَّةً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَالْمِنَّةُ بِاقْتِرَانِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي تَجَرُّدِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، فَكُلُّ عِلْمٍ صَحِبَهُ عَمَلٌ يُرْضِي اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ قُوَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ صَحِبَهَا تَنْفِيذٌ لِمَرْضَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ فَهِيَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ حَالٍ صَحِبَهُ تَأْثِيرٌ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنَّةٌ مِنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ مَالٍ اقْتَرَنَ بِهِ إِنْفَاقٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، لَا لِطَلَبِ الْجَزَاءِ وَلَا الشَّكُورِ، فَهُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ فَرَاغٍ اقْتَرَنَ بِهِ اشْتِغَالٌ بِمَا يُرِيدُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فَهُوَ مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ قَبُولٍ فِي النَّاسِ، وَتَعْظِيمٍ وَمَحَبَّةٍ لَهُ، اتَّصَلَ بِهِ خُضُوعٌ لِلرَّبِّ، وَذُلٌّ وَانْكِسَارٌ، وَمَعْرِفَةٌ بِعَيْبِ النَّفْسِ وَالْعَمَلِ، وَبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ فَهُوَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ بَصِيرَةٍ وَمَوْعِظَةٍ، وَتَذْكِيرٍ وَتَعْرِيفٍ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ إِلَى الْعَبْدِ، اتَّصَلَ بِهِ عِبْرَةٌ وَمَزِيدٌ فِي الْعَقْلِ، وَمَعْرِفَةٌ فِي الْإِيمَانِ فَهِيَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ حُجَّةٌ‏.‏

وَكُلُّ حَالٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَقَامٍ اتَّصَلَ بِهِ السَّيْرُ إِلَى اللَّهِ، وَإِيثَارُ مُرَادِهِ عَلَى مُرَادِ الْعَبْدِ، فَهُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ صَحِبَهُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ وَالرِّضَى بِهِ، وَإِيثَارُ مُقْتَضَاهُ، مِنْ لَذَّةِ النَّفْسِ بِهِ وَطُمَأْنِينَتِهَا إِلَيْهَا، وَرُكُونِهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ‏.‏

فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ هَذَا الْمَوْضِعَ الْعَظِيمَ الْخَطَرِ، وَيُمَيِّزْ بَيْنَ مَوَاقِعِ الْمِنَنِ وَالْمِحَنِ، وَالْحُجَجِ وَالنِّعَمِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلَى خَوَاصِّ النَّاسِ وَأَرْبَابِ السُّلُوكِ، ‏{‏وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏الرُّكْنُ الثَّانِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا لِلْعَبْدِ وَمَا عَلَيْهِ‏]‏

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْمُحَاسَبَةِ‏:‏

وَهِيَ أَنْ تُمَيِّزَ مَا لِلْحَقِّ عَلَيْكَ وَبَيْنَ مَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ مِنْ وُجُوبِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْتِزَامِ الطَّاعَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ، وَبَيْنَ مَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ، فَالَّذِي لَكَ‏:‏ هُوَ الْمُبَاحُ الشَّرْعِيُّ، فَعَلَيْكَ حَقٌّ، وَلَكَ حَقٌّ، فَأَدِّ مَا عَلَيْكَ يُؤْتِكَ مَا لَكَ‏.‏

وَلَابُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ‏.‏

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْعَلُ كَثِيرًا مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ قَسْمِ مَا لَهُ، فَيَتَحَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ رَأَى أَنَّهُ فَضْلٌ قَامَ بِهِ لَا حَقٌّ أَدَّاهُ‏.‏

وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ يَرَى كَثِيرًا مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ مِنْ قَسْمِ مَا عَلَيْهِ فِعْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ، فَيَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ مَا لَهُ فِعْلُهُ، كَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَيَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ، أَوْ يَتَعَبَّدُ بِفِعْلِ مَا لَهُ تَرْكُهُ وَيَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ‏.‏

مِثَالُ الْأَوَّلِ‏:‏ مَنْ يَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ النِّكَاحِ، أَوْ تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ، أَوِ الْفَاكِهَةِ مَثَلًا، أَوِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ، وَيَرَى- لِجَهْلِهِ- أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَيُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ تَرْكَهُ، أَوْ يَرَى تَرْكَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا عَنْ عِبَادَتِهِ فِي السِّرِّ فَكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ الْآخَرُ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتُهُمْ، فَخَطَبَ، وَقَالَ‏:‏ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَيَقُولُ الْآخَرُ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ، وَيَقُولُ الْآخَرُ‏:‏ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ‏؟‏ لَكِنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَتَبَرَّأَ مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ، وَتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِتَرْكِ مَا أَبَاحَهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، رَغْبَةً عَنْهُ، وَاعْتِقَادًا أَنَّ الرَّغْبَةَ عَنْهُ وَهَجْرَهُ عِبَادَةٌ، فَهَذَا لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ مَا عَلَيْهِ وَمَا لَهُ‏.‏

وَمِثَالُ الثَّانِي‏:‏ مَنْ يَتَعَبَّدُ بِالْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ الَّتِي يَظُنُّهَا جَالِبَةً لِلْحَالِ، وَالْكَشْفِ وَالتَّصَرُّفِ، وَلِهَذِهِ الْأُمُورِ لَوَازِمُ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهَا الْبَتَّةَ، فَيَتَعَبَّدُ بِالْتِزَامِ تِلْكَ اللَّوَازِمِ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَيَرَاهَا حَقًّا عَلَيْهِ، وَهِيَ حَقٌّ لَهُ، وَلَهُ تَرْكُهَا، كَفِعْلِ الرِّيَاضَاتِ، وَالْأَوْضَاعِ الَّتِي رَسَمَهَا كَثِيرٌ مِنَ السَّالِكِينَ بِأَذْوَاقِهِمْ وَمَوَاجِيدِهِمْ وَاصْطِلَاحَاتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مَا فِيهَا مِنْ حَظِّ الْعَبْدِ وَالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَهَذَا لَوْنٌ وَهَذَا لَوْنٌ‏.‏

فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏الرُّكْنُ الثَّالِثُ الرِّضَا بِالطَّاعَةِ وَالتَّعْيِيرُ بِالْمَعْصِيَةِ‏]‏

وَمِنْ أَرْكَانِ الْمُحَاسَبَةِ الرِّضَا بِالطَّاعَةِ وَالتَّعْيِيرُ بِالْمَعْصِيَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ، فَقَالَ‏:‏

الثَّالِثُ‏:‏ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ رَضِيتَهَا مِنْكَ فَهِيَ عَلَيْكَ، وَكُلَّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِهَا أَخَاكَ فَهِيَ إِلَيْكَ‏.‏

رِضَاءُ الْعَبْدِ بِطَاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَجَهْلِهِ بِحُقُوقِ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَدَمِ عَمَلِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ وَيَلِيقُ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ‏.‏

وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ جَهْلَهُ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِهَا وَآفَاتِهَا وَعُيُوبِ عَمَلِهِ، وَجَهْلَهُ بِرَبِّهِ وَحُقُوقِهِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ، يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا رِضَاهُ بِطَاعَتِهِ، وَإِحْسَانُ ظَنِّهِ بِهَا، وَيَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَبِ وَالْكِبْرِ وَالْآفَاتِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ وَنَحْوِهَا‏.‏

فَالرِّضَا بِالطَّاعَةِ مِنْ رَعُونَاتِ النَّفْسِ وَحَمَاقَتِهَا‏.‏

وَأَرْبَابُ الْعَزَائِمِ وَالْبَصَائِرِ أَشَدُّ مَا يَكُونُونَ اسْتِغْفَارًا عُقَيْبَ الطَّاعَاتِ، لِشُهُودِهِمْ تَقْصِيرَهُمْ فِيهَا، وَتَرْكَ الْقِيَامِ لِلَّهِ بِهَا كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا الْأَمْرُ لَمَا أَقْدَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا رَضِيَهَا لِسَيِّدِهِ‏.‏

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَفْدَهُ وَحُجَّاجَ بَيْتِهِ بِأَنْ يَسْتَغْفِرُوهُ عُقَيْبَ إِفَاضَتِهِمْ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَهُوَ أَجَلُّ الْمَوَاقِفِ وَأَفْضَلُهَا، فَقَالَ‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ‏}‏ قَالَ الْحَسَنُ‏:‏ مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَغَفْرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ‏:‏ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَالْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ أَعْبَائِهَا، وَقَضَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَاقْتِرَابِ أَجَلِهِ، فَقَالَ فِي آخِرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ‏{‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا‏}‏‏.‏

وَمِنْ هَاهُنَا فَهِمَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَنَّ هَذَا أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ عُقَيْبَ أَدَاءِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ إِعْلَامٌ بِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَاجْعَلْ خَاتِمَتَهُ الِاسْتِغْفَارَ، كَمَا كَانَ خَاتِمَةَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَخَاتِمَةُ الْوُضُوءِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ ‏"‏ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ ‏"‏‏.‏

فَهَذَا شَأْنُ مَنْ عَرَفَ مَا يَنْبَغِي لِلَّهِ، وَيَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعُبُودِيَّةِ وَشَرَائِطِهَا، لَا جَهْلَ أَصْحَابِ الدَّعَاوِي وَشَطَحَاتِهِمْ‏.‏

وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ‏:‏ مَتَى رَضِيتَ نَفْسَكَ وَعَمَلَكَ لِلَّهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ نَفْسَهُ مَأْوَى كُلِّ عَيْبٍ وَشَرٍّ، وَعَمَلَهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ آفَةٍ وَنَقْصٍ، كَيْفَ يَرْضَى لِلَّهِ نَفْسَهُ وَعَمَلَهُ‏؟‏‏.‏

وَلِلَّهِ دَرُّالشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ حَيْثُ يَقُولُ‏:‏ مَنْ تَحَقَّقَ بِالْعُبُودِيَّةِ نَظَرَ أَفْعَالَهُ بِعَيْنِ الرِّيَاءِ، وَأَحْوَالَهُ بِعَيْنِ الدَّعْوَى، وَأَقْوَالَهُ بِعَيْنِ الِافْتِرَاءِ، وَكُلَّمَا عَظُمَ الْمَطْلُوبُ فِي قَلْبِكَ، صَغُرَتْ نَفْسُكَ عِنْدَكَ، وَتَضَاءَلَتِ الْقِيمَةُ الَّتِي تَبْذُلُهَا فِي تَحْصِيلِهِ، وَكُلَّمَا شَهِدْتَ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَرَفْتَ اللَّهَ، وَعَرَفْتَ النَّفْسَ، وَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ مَا مَعَكَ مِنَ الْبِضَاعَةِ لَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ الْحَقِّ، وَلَوْ جِئْتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَيْنِ خَشِيتَ عَاقِبَتَهُ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَتَفَضُّلِهِ، وَيُثِيبُكَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَتَفَضُّلِهِ‏.‏

وَقَوْلُهُ‏:‏ وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِهَا أَخَاكَ فَهِيَ إِلَيْكَ‏.‏

يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ‏:‏ أَنَّهَا صَائِرَةٌ إِلَيْكَ وَلَا بُدَّ أَنْ تَعْمَلَهَا، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ‏:‏ مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ‏.‏

وَأَيْضًا فَفِي التَّعْيِيرِ ضَرْبٌ خَفِيٌّ مِنَ الشَّمَاتَةِ بِالْمُعَيَّرِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا مَرْفُوعًا لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ‏.‏

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ‏:‏ أَنَّ تَعْيِيرَكَ لِأَخِيكَ بِذَنْبِهِ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ ذَنْبِهِ وَأَشَدُّ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الطَّاعَةِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَشُكْرِهَا، وَالْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وَأَنَّ أَخَاكَ بَاءَ بِهِ، وَلَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وَمَا أَحْدَثَ لَهُ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ، وَالْإِزْرَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مَرَضِ الدَّعْوَى، وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَوُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ نَاكِسَ الرَّأْسِ، خَاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ أَنْفَعُ لَهُ، وَخَيْرٌ مِنْ صَوْلَةِ طَاعَتِكَ، وَتَكَثُّرِكَ بِهَا وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، وَالْمِنَّةِ عَلَى اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِهَا، فَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْعَاصِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‏!‏ وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمُدِلَّ مِنْ مَقْتِ اللَّهِ، فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّكَ أَنْ تَبِيتَ نَائِمًا وَتُصْبِحَ نَادِمًا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبِيتَ قَائِمًا وَتُصْبِحَ مُعْجَبًا، فَإِنَّ الْمُعْجَبَ لَا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ، وَإِنَّكَ إِنْ تَضْحَكْ وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ وَأَنْتَ مُدِلٌّ، وَأَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ زَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ الْمُدِلِّينَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَسْقَاهُ بِهَذَا الذَّنْبِ دَوَاءً اسْتَخْرَجَ بِهِ دَاءً قَاتِلًا هُوَ فِيكَ وَلَا تَشْعُرُ‏.‏

فَلِلَّهِ فِي أَهْلِ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ أَسْرَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَلَا يُطَالِعُهَا إِلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ، فَيَعْرِفُونَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا تَنَالُهُ مَعَارِفُ الْبَشَرِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ أَيْ لَا يُعَيِّرْ، مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِإِخْوَتِهِ ‏{‏لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ‏}‏ فَإِنَّ الْمِيزَانَ بِيَدِ اللَّهِ، وَالْحُكْمَ لِلَّهِ، فَالسَّوْطُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ هَذَا الْعَاصِي بِيَدِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَالْقَصْدُ إِقَامَةُ الْحَدِّ لَا التَّعْيِيرُ وَالتَّثْرِيبُ، وَلَا يَأْمَنُ كَرَّاتِ الْقَدَرِ وَسَطْوَتَهُ إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَعْلَمِ الْخَلْقِ بِهِ، وَأَقْرَبِهِمْ إِلَيْهِ وَسِيلَةً ‏{‏وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا‏}‏ وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ‏{‏وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏ وَكَانْتَ عَامَّةُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَقَالَ‏:‏ مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ ثُمَّ قَالَ‏:‏ اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ‏.‏